<h1>253 - كان يجب أن تُقدّري قيمتي أكثر</h1><p>كانت لاتيل قد حملت بنفسها من المكتبة الإمبراطورية كومة ضخمة من الكتب القديمة التي تروي أساطير وملاحم تبدو بعيدة عن الواقع، كتب لم تكن تعبأ بها كثيرًا من قبل، ثم رصّتها فوق مكتب غرفتها، وأخذت تقرأها بهدوء وتروٍّ، صفحة إثر صفحة.</p>
<p> </p>
<p>مهما طال تأملها بدت مبالغات صارخة، ومع ذلك ظلت تتصفحها وهي تحمل في قلبها يقينًا بأن بعض الحقيقة لا بدّ انه مختبئ بين هذه السطور، فتفحصت كل كتاب على حدة بعناية فائقة.</p>
<p> </p>
<p>وبينما أرهقت عينيها القراءة الطويلة فوضعت كفّها على جفنيها تدلكهما قليلاً، دخلت الخادمة تحمل إبريق شاي طازج، وضعته أمامها ثم همست.</p>
<p> </p>
<p>“جلالتكِ، يبدو أن سمو الأمير كلاين سيصل بعد لحظات.”</p>
<p> </p>
<p>“بعد لحظات؟”</p>
<p> </p>
<p>إن جاء فجاء، وإن لم يأتِ فلم يأتِ، أليس كذلك؟، أنزلت لاتيل يدها واستنشقت عبير الشاي المتصاعد.</p>
<p> </p>
<p>‘هل هذا بابونج؟’</p>
<p> </p>
<p>“رأيته بنفسي وهو يلهث غاضبًا، يسلك طريقًا غير الطريق المعتاد الذي يأتي منه دائمًا.”</p>
<p> </p>
<p>ما إن انتهت الخادمة من كلامها حتى سمعتا صوت خادمة أخرى من خلف الباب: “جلالتكِ، لقد وصل سمو الأمير كلاين.”</p>
<p> </p>
<p>ابتسمت خادمة الشاي ابتسامة جانبية وكأنها تقول ‘ألم أقل لكِ؟’، ثم انحنت وخرجت، فرنت لاتيل الجرس الصغير الموضوع على المكتب، ولم يهدأ صوت الجرس الرقراق بعد، ولم تكد الخادمة تخرج تمامًا، حتى اندفع كلاين إلى الداخل بخطى ثقيلة متسارعة، وفتح فمه فورًا.</p>
<p> </p>
<p>“جلالتكِ، تحملتُ حتى أن يصبح كاهن يعمل في كازينو قمار محظي، لكن حوري الآن؟ لم أعد أستطيع الصبر أكثر!”</p>
<p> </p>
<p>أحست الخادمة أن الجو ثقيل فهرعت بالخروج، فعبست لاتيل ونظرت إلى كلاين.</p>
<p> </p>
<p>“أنا وسمكة… وسمكة…”</p>
<p> </p>
<p>توقف كلاين للحظة يبحث عن كلمة قاسية لا تأتيه، لكن غضبه واضح لا لبس فيه.</p>
<p> </p>
<p>“اهدأ يا كلاين.”</p>
<p> </p>
<p>مدّت له الكأس التي أحضرتها الخادمة للتو.</p>
<p> </p>
<p>“شاي طازج، اشرب.”</p>
<p> </p>
<p>نفخ كلاين في الكأس، شرب رشفة، ثم أخذته لاتيل إلى الأريكة وأجلسته، وجلست هي في الجهة المقابلة وسألته.</p>
<p> </p>
<p>“ما الذي أصابك فجأة؟، هل رشّك ميرديم بماء البحيرة في وجهك؟”</p>
<p> </p>
<p>“جلالتكِ، هل ستستقبلين تلك السمكة فعلاً كزوج ملكي؟”</p>
<p> </p>
<p>إذًا لم يرشه بالماء، لو فعل لكان قد صرخ نعم!، من أول لحظة، فعقدت لاتيل حاجبيها وأجابت ببرود.</p>
<p> </p>
<p>“لا أدري.”</p>
<p> </p>
<p>“قولي لا، أرجوك!”</p>
<p> </p>
<p>“همم…”</p>
<p> </p>
<p>في الحقيقة، لم يكن لدى لاتيل أدنى نية لجعل ميرديم زوجًا ملكيًا، حتى فكرة اختيار زوج ملكي لم تكن قد حسمتها بعد، وحتى لو أرادت ذلك في القريب فميرديم خارج قائمة المرشحين تمامًا لأنه لا يطابق شروطها أبدًا، لكن هذا شعورها اللحظي فقط، والأحداث قد تأخذ منحى غير متوقع، وفي الوقت الذي قد تقول فيه حوريات الدم ‘قررنا ألا نساعدكم’ ويرحلون لا تستطيع لاتيل أن تقول لهم ‘ممنوع’ بكل بساطة وبصراحة قاطعة.</p>
<p> </p>
<p>لكن كلاين كان خفيف اللسان جدًّا، لو قالت له ‘لن أجعل الحوري زوجي الملكي أبدًا’ لانتشر الخبر في القصر كله قبل غروب الشمس، ألم يحدث أمر مشابه من قبل؟</p>
<p> </p>
<p>في النهاية لم تستطع لاتيل أن ترد بكلمة، فصُعق كلاين.</p>
<p> </p>
<p>“لماذا لا تجيبين؟”</p>
<p> </p>
<p>“لأن هناك أمورًا كثيرة يجب التفكير فيها.”</p>
<p> </p>
<p>استقبل كلاين الجواب المبهم كأنه إشارة موافقة ضمنية، فأفرغ الكأس دفعة واحدة، ثم قام واقفًا وصاح.</p>
<p> </p>
<p>“هذا أكثر من اللازم!”</p>
<p> </p>
<p>“تريد الرحيل بهذه السرعة؟”</p>
<p> </p>
<p>نهضت لاتيل بدورها، فتراجع كلاين خطوة إلى الخلف وقال بحزم.</p>
<p> </p>
<p>“نعم! سأعود إلى كارسين.”</p>
<p> </p>
<p>ظنت لاتيل أنه سيعود إلى غرفته فقط، فلم تتوقع أن يعود إلى مملكته، فاتسعت عيناها.</p>
<p> </p>
<p>“ماذا؟”</p>
<p> </p>
<p>“يجب أن أفكر بهدوء: هل أنا جدير بأن أبقى إلى جانب جلالتكِ؟، وهل جلالتكِ ترغب فعلاً في بقائي إلى جانبها؟”</p>
<p> </p>
<p>كأنما حضّر الكلام مسبقًا، تكلم بسرعة ثم اتجه نحو الباب بخطى متسارعة تصدر صوت «باك باك باك» كالبطريق الغاضب، ثم استدار فجأة عند الباب وصاح.</p>
<p> </p>
<p>“قبل أن أرتب أفكاري، لا تبحثي عني أبدًا!”</p>
<p> </p>
<p>أغلق الباب خلفه بقوة واختفى، فبقيت لاتيل مذهولة، فاغرة فمها، لا تدري ماذا تقول.</p>
<p> </p>
<p>“حقًا؟”</p>
<p> </p>
<p>سألت شخصًا لم يعد موجودًا، فلم يأتِ جواب طبعًا، ظلت تحدق في الباب، ثم تحركت ببطء جانبًا وانهارت على الأريكة التي جلس عليها كلاين.</p>
<p> </p>
<p>لم تفهم بعد ما الذي حدث بالضبط.</p>
<p> </p>
<p>* * *</p>
<p> </p>
<p>في اليوم التالي، استيقظت لاتيل وهي لا تزال تشك، فاستدعت خادمًا وأمرته.</p>
<p> </p>
<p>“اذهب وتأكد هل الأمير كلاين يعود فعلاً إلى كارسين أم لا.”</p>
<p> </p>
<p>قد يكون جاء في منتصف الليل وألقى تلك الكلمات وهو غاضب، لكن أن يرحل فجأة هكذا لا يزال غير معقول.</p>
<p> </p>
<p>خرج الخادم وعيناه جاحظتان من الدهشة، ما إن أغلق الباب حتى توقف رئيس الخدم عن ترتيب الأوراق وسأل مصعوقًا: “ماذا تقولين جلالتكِ؟ الأمير كلاين يعود إلى كارسين؟”</p>
<p> </p>
<p>“جاءني في منتصف الليل وقال ذلك.”</p>
<p> </p>
<p>سمعت ضحكات خافتة من الخلف، فنظر رئيس الخدم إليهم بنظرة حادة ثم عاد يسأل: “لكن لماذا فجأة؟”</p>
<p> </p>
<p>“يبدو أن قدوم حوريات البحر صدمه.”</p>
<p> </p>
<p>“يا للمسكين…”</p>
<p> </p>
<p>بدأ رئيس الخدم يبدو وكأنه يشفق عليه، لكن لم تمر ثانيتان حتى اقتربت زاوية عينيه من زاوية فمه في ابتسامة عريضة، نظرت إليه لاتيل مذهولة، فسعل سعالاً مصطنعًا وقال: “الأمير كلاين جاء كزوج مؤقت أصلاً، فمن حقه أن يرحل متى شاء.”</p>
<p> </p>
<p>كان واضحًا أنه مبتهج لرحيل أمير يكرهه، في المقابل شحب وجه سكرتير كان يؤيد كلاين سرًا وبقي يحدق في نفس الصفحة.</p>
<p> </p>
<p>تنهدت لاتيل وهي ترى الجميع مبتهجين تقريبًا.</p>
<p> </p>
<p>‘لا يحاولون حتى إخفاء فرحتهم…’</p>
<p> </p>
<p>في هذه الأثناء عاد الخادم مسرعًا.</p>
<p> </p>
<p>“ما الذي يفعله؟”</p>
<p> </p>
<p>“يُحمّل أمتعته في العربة يا جلالتكِ!”</p>
<p> </p>
<p>عبست لاتيل، فتوقف رئيس الخدم عن الابتسام أخيرًا، مضغت لاتيل شفتيها بضيق، ثم تنهدت وقالت: “قال إنه بحاجة إلى التفكير، فدعوه يفكر.”</p>
<p> </p>
<p>“الآن هو منفعل جدًّا، لو تدخلنا فلن ينفع.”</p>
<p> </p>
<p>علاوة على ذلك، ومع وجود قنابل موقوتة مثل جيستا وجرجول ومراديم وكارلين حول الحريم، فربما كان من الأفضل لكلاين، ذي الطباع السيئة والعصبية السريعة، أن يبتعد إلى كارسين قليلاً، فلو اندفع كلاين في نوبة غضب نحو أي منهم لوقعت كارثة.</p>
<p> </p>
<p>حتى تيسير البشري، رغم ابتسامته الدائمة الطيبة، هو في النهاية سليل عائلة اغتيالات، وصبره قد ينفد في أي لحظة.</p>
<p> </p>
<p>تذكرت لاتيل وجه كلاين المشرق كلما رآها، وكيف كان يبدو سعيدًا إلى درجة لا يستطيع إخفاءها، فشعرت ببعض الذنب.</p>
<p> </p>
<p>“……”</p>
<p> </p>
<p>خلعت السوار الذي كانت ترتديه وناولته للخادم.</p>
<p> </p>
<p>“قل له: احذر في الطريق، وقل له أيضًا: علّق هذا في عنق «صاحبة الجلالة 2».”</p>
<p> </p>
<p>* * *</p>
<p> </p>
<p>كان كلاين يحشر دمية «صاحبة الجلالة 2» في أعماق الحقيبة بقوة وهو يرص أمتعته، ثم التفت دورة كاملة في الغرفة، فرأى الخادم يتلصص من شق الباب.</p>
<p> </p>
<p>“ما الذي يسليك إلى هذا الحد؟!”</p>
<p> </p>
<p>صاح كلاين غضبًا بلا سبب، فتمتم الخادم بضيق لكنه نفذ الأمر أولاً.</p>
<p> </p>
<p>“جئت لأعطيكم هذا، جلالتها تقول: ضعه في عنق «صاحبة الجلالة 2».”</p>
<p> </p>
<p>لم يفهم الخادم معنى «صاحبة الجلالة 2»، لكنه نقل الرسالة حرفيًا ثم انسحب.</p>
<p> </p>
<p>نظر كلاين إلى السوار الذي أرسلته لاتيل فتجهم وجهه، فاقترب فانيل، خادمه، وسأله بحذر وهو يرص الحقائب.</p>
<p> </p>
<p>“سيدي، هل نفرغ الحقائب مجددًا؟”</p>
<p> </p>
<p>ترددت عينا كلاين لحظة، ثم قال بحزم: “لا، استمر في الترتيب.”</p>
<p> </p>
<p>“لكن جلالتها…”</p>
<p> </p>
<p>“لو كانت تريد منعي حقًا، لجاءت بنفسها.”</p>
<p> </p>
<p>* * *</p>
<p> </p>
<p>ما إن رحل كلاين حتى شعرت لاتيل باضطراب غريب، فعملت ذلك اليوم كله وهي شاردة الذهن.</p>
<p> </p>
<p>أول انطباع لكلاين كان سيئًا، لكنه مع ذلك أول زوج لها، وكان يبذل قصارى جهده لكسب ودها، فلم تستطع إلا ان تهتم.</p>
<p> </p>
<p>لكنها لا تستطيع أن تبقى تفكر فيه طوال اليوم، فحوّلت انتباهها بالقو إلى الكاهن الأعظم.</p>
<p> </p>
<p>كانت القضايا العاجلة كثيرة، لكن الأولوية الآن هي منع الكاهن الأعظم من مواصلة أعمال التطهير.</p>
<p> </p>
<p>فبقيت تعمل حتى ساعة متأخرة جدًّا، وعندما اقترب موعد العشاء، تقريبًا الثامنة ليلاً، توجهت أخيرًا إلى قاعة الطعام.</p>
<p> </p>
<p>ما إن رفعت الملعقة حتى اقتحم قائد الكتيبة الخامسة للحراسة الغرفة مسرعًا: “جلالتكِ!”</p>
<p> </p>
<p>بما أن الكتيبة الخامسة مكلفة بحراسة الحريم، شعرت لاتيل بالقلق قبل أن ينطق، فأعادت الملعقة إلى الطبق.</p>
<p> </p>
<p>“الأمير كلاين… يبدو أنه أخذ مفتاح مخزن الحريم وهرب.”</p>
<p> </p>
<p>كان الخبر متوقعًا، لكنه في الوقت نفسه صادم ومضحك.</p>
<p> </p>
<p>“ماذا؟ أي مفتاح؟!”</p>
<p> </p>
<p>* * *</p>
<p> </p>
<p>“حقًا؟”</p>
<p> </p>
<p>تبع رئيس الخدم لاتيل وهي تسير بخطى سريعة وسأل بصوت خافت.</p>
<p> </p>
<p>“يبدو أنه صحيح بنسبة كبيرة.”</p>
<p> </p>
<p>“ألا يمكن أن يكون شخص آخر هو من أخذه؟ لماذا يتهمونه كلاين مباشرة؟”</p>
<p> </p>
<p>“لأنه ترك رسالة في غرفته يعترف فيها بنفسه.”</p>
<p> </p>
<p>اتسعت عينا رئيس الخدم أكثر: “رسالة يقول فيها إنه هو الفاعل؟ أليس من الممكن أن تكون الرسالة مزيفة أيضًا؟”</p>
<p> </p>
<p>كان الحراس قد طوّقوا مدخل المخزن الداخلي بالفعل، تفرقوا ليتركوا لاتيل تمر، فتقدمت بوجه متجهم.</p>
<p> </p>
<p>الباب مغلق بإحكام، مدّت يدها، وضعت كفها على القفل، أو بالأحرى على السوار المعلق في القفل، السوار نفسه الذي أرسلته إلى كلاين ليعلقه في عنق الدمية.</p>
<p> </p>
<p>ما إن رأته حتى شعرت بغضب يغلي في صدرها، ما هذا؟ ما معنى هذا التصرف؟</p>
<p> </p>
<p>“سير سونوت، ما رأيك في معنى هذا؟”</p>
<p> </p>
<p>“يبدو أنه يقول: عليك اللعنة ولا تبحثي عني مرة أخرى.”</p>
<p> </p>
<p>عبست لاتيل، فنظر السير سونوت بحرج وأضاف: “قد يحتمل تأويلات أخرى طبعًا… هذا مجرد رأيي الشخصي.”</p>
<p> </p>
<p>كان السير سونوت على وشك أن يضيف شيئًا عندما جاء أحد الحراس حاملاً مظروف رسالة ضخم فأغلق فمه.</p>
<p> </p>
<p>“كان موضوعًا فوق سريره يا جلالتكِ.”</p>
<p> </p>
<p>أخذته لاتيل مذهولة، المظروف فخم وكبير جدًا، مزخرف كأنه دعوة لحفل رأس السنة، بل إنه عملاق تقريبًا.</p>
<p> </p>
<p>“كأنه تعمد أن أجده بسهولة.”</p>
<p> </p>
<p>كان الأمر واضحًا: اسم كلاين مكتوب على المظروف بخط كبير.</p>
<p> </p>
<p>فتحت لاتيل المظروف، وكانت بداخله جملة واحدة فقط:</p>
<p> </p>
<p>– جلالتكِ لم تعاملني بتقدير يومًا.</p>
<p> </p>
<p>شعرت لاتيل بارتفاع ضغط دمها فوضعت كفها على مؤخرة عنقها.</p>
<p> </p>
<p>المخازن الداخلية في القصر تستخدم أقفالاً ومفاتيح خاصة جدًّا، لأن بداخلها كنوز لا تقدّر بثمن، لذا صُنعت لتكون ضد السرقة تمامًا، وبالعكس، إذا فُقد المفتاح فحتى صاحبة القصر لا تستطيع فتحه بسهولة، وصنع مفتاح جديد يستغر وقتًا طويلاً.</p>
<p> </p>
<p>“حقًا… هذا الوغد…”</p>
<p> </p>
<p>قررت لاتيل أن تستغل الوضع قدر الإمكان، فأمرت السير سونوت.</p>
<p> </p>
<p>“سير سونوت، اذهب إلى الكاهن الأعظم فورًا وقل له: حدثت مشكلة مزعجة، فلنؤجل حديث التطهير إلى وقت لاحق.”</p>